الأربعاء، 15 مايو 2013

الأفضل و الأسوء


الأفضل و الأسوء

ألم بى التعب و الأرهاق الفكرى مما مصر فيه و أحوالها و أستلقيت على أريكتى المتواضعة أحملق فى سقف حجرتى و همست إلى  ذاتى لما لا ترى مصر باللون الوردى فقلت لذاتى و هو كذلك و أرتديت نظارة الأمل الواقعية و رأيت و سمعت ثمانية عشر يوماً مبتدأ بيوم 25 يناير 2011 و ما أن فرغت نبهتنى أعماق ذاتى بسؤال ما رأيك فى مصر ؟ فأجبت عظيمة رائعة أنها بلادى ...... 
ثم أخذتنى أعماق ذاتى إلى شخص الفريق أول عبد الفتاح السيسى و جيش مصر و قيادته و تحققت بالصوت و الصورة و بما لدى من خلفيات عن العقائد و الأستراتيجيات العسكرية و رأيت و سمعت جيش عظيم فوق العادة يستعيد أمجاد فى التجهيز و الأعداد على غرار الماضى القريب قبل أكتوبر 1973 و ليس هذا فحسب بل يستنهض وطن مفروط عقده لما هو أهم و أعظيم يؤمن به و يضع نصب عينيه الفكر و الأليات لبناء الأمجاد و أستعادة مكانة مصر الحضارة و التاريخ العظيم ....... !!!!!!!!
و هنا قاطعت ذاتى حقاً أنه مشهد جميل و لدينا جيش نفخر به و بقياداته و هذا يبعث على الأطمأنان و لكن فسألت أعماق ذاتى و لكن ماذا تعنى 
فقلت : - لها رويدك ريثما أرتدى نظارتى الواقعية السوداء و أحدثك حديث يدميكى و يبكيكى طويلاً و يا ليتك تفيقين من بعده إيجابية بناءة فتنهدت 
قائلة : - هات ما عندك أننى أعلم أنك بائس تعيس .
فقلت : - ألا تشاهدنى معى ثوار و ساسه و لصوص و بخلاء و مصر كأمرأة حزينة تعيسة فى بختها كلما ولد لها ولد يموت بالأغتيال حتى لا يبقى لها ولد تزهو به و يقوم على خدمتها .
فقالت : - أفصح فسر و لى لا تجمل لى الألغاز .
فقلت : - أوليست مؤسسات البلد كأولادها و كل منها يقوم على خدمتها ففى مؤسسة كمجلس الشعب بعد الثورة أغتيل بأسم القانون و مازالت مصر حائرة بدونه و كان نفس المصير منتظر الدستور و مجلس الشورى بل وصل الأمر أحياناً إلى مؤسسة الرئاسة و مازالت العبثيات السخيفة تمار س مع مؤسسة الرئاسى فى حلقات سلسلة أبتدأت بحق التعبير عن الرأى و التظاهر و كان الواقع الأضرار بالمصالح العامة و الخاصة و بث الفوضى و نشر العنف و السلاح لأرتكاب جرائم يعاقب عليها أبسط القواعد القانونية فى أى مجتمع و لكنه لا قانون و لا عقاب و لا مؤسسة أمن و لا مؤسسة قضاء و يمر المشهد دون أن ينال من مؤسسة الرئاسة فيتحول المشهد إلى أسم عصيان مدنى الذى هو أجماع عام عقيدى سلمى بشل مسيرة حياة مجتمع و العزوف عن العمل و لكن الواقع هو ترهيب و بلطجة و منع المواطنين قصراً من الذهاب إلى أعمالهم و يمر المشهد كسابقه و لم ينال من مؤسسة الرئاسة و وصلنا إلى المرحلة الراهنة بما يسمى تمرد و جمع توقيعات لسحب الثقة من الرئيس و بالتالى تقويض مؤسسة الرئاسة و يقال أن جمع التوقيعات وسيلة من وسائل طرح الموضوعات للنقاش و أتخاذ القرار فى المجتمعات المتقدمة و الواقع أنهم لا يريدون طرح موضوع للنقاش بل التشبث بما قد يدعى أنه عدد مهول فاق عدد ناخبين الرئيس و بالتالى يجب على الرئيس أن ينصاع لهم و يترك كرسى الرئاسة و هنا تدليس بين لأن أليات قدوم رئيس تكون بتزكية حزب أو أقرارت تزكية فى الشهر العقارى بمواصفات محددة يتبعها أنتخابات بحماية جيش عظيم و أشراف قضائى و متابعة مجتمعية و حزبية و هيئات وطنية فماذا توفر لتمرد فى ذلك ليؤخذ بوصايتهم على بلد كمصر و يستجيب لتهريجهم السياسى منذ بداية التظاهر و حتى التوقيعات و غرمائهم السياسيين  يجارونهم ليثبتوا لهم أن لا طائل مما يفعلونه فهل بكيتى و أدمى قلبك يا ذاتى على جهل و جهالة شعب مصر الذى لم يعرف النضج فى ممارسة السياسة و التقدم نحو حل مشكلاته الأقتصادية التى يغازل فيها صندوق النقد الدولى منذ ما يزيد على عام لقرض 4,8  مليار $ و بخلاء مصر سخفاء الأحلام يتم النصب عليهم عبر الشبكة العنكبوتيه فى شهرين بمبلغ وصل إلى 3 مليار $  و الناصبون هنود يتفكهون عليهم فى مجالسهم ؛ و لصوص من أبناء مصر يترصدون بها و يضمرون لها الشر و يفرضون عليها الصلح بعد ما أرتكبوه فى حقها أن مصر تحتاج إلى أنبياء لأصلاح شأنها لأنها تجمع المتناقضات .

الثلاثاء، 14 مايو 2013

الفعل و ليس الكلام

الفعل و ليس الكلام

أن القضية الفلسطينية منذ نشأتها و العرب جميعاً تحت الأحتلال الملطف بالأنتداب و بدأت بفقدان الأراضى الفلسطينية وفقاً لتقسيم عصبة الأمم الذى كان يعطى العصابات الصهيونية أراضى يقيم فيها العرب ضمن أراضى توطن فيها اليهود و مع أستمرار الصناعة المحكمة للغرب و أمريكا و العصابات الصهيونية ليستمر ضعف العرب سياسياً و عسكرياً و لا يستقر وضع القضية على حال بل تتضخم بالتدريج لتكون المشكلة أولاً فقدان جزء من أرض فلسطين لفقدان فلسطين التاريخية لفقدان أراضى أردنية و مصرية و سورية ثم فقدان أراضى لبنانية و تتمحور القضايا السياسية فيما فقد فى الأخير و ليس فيما فقد أولاً و لما برزت عقيدة عسكرية صحيحة لمصر مع بعض الحكنة السياسية منحت مصر شئ على مضض بأستعادة أرضها منقوصة السيادة فى سيناء بموجب أتفاق كامب ديفيد و نجح الصهاينة و فشلت مصر فقد كانت أحاديث الكواليس التى كان يصرح بها السيد ممدوح البلتاجى عند أستلام العريش أننا إذا كنا أجبرنا سياسياً بقوة أمريكا على ما ينتقص سيادتنا على أرض سيناء إلا أننا يمكننا تدارك ذلك بتعمير مدن القناة و تحويل مدنها إلى مدن مليونية قد تصل فيها الأسماعيلية إلى مدينة الأربع ملايين و لن تقل السويس عن ذلك و كذلك بورسعيد بتمدد هذه المدن عمرانياً إلى داخل سيناء و تحويل العريش إلى مدينة مليونية  و كل ذلك مخطط له منذ عصر السادات رحمه الله و مرت السنون و المخلوع الذى تحول إلى كنز أستراتيجى لأعداء البلاد لم يحرك ساكناً و فى ذلك تنازل واضح عن عقيدته العسكرية و القسم الذى أقسم عليه عند تخرجه و حينما يخرج علينا الفريق السيسى بما صرح به فى شقين الكفاءة القتالية و لحمة الصف السياسى فإن لذلك شواهد تؤكد أن هذا الرجل و بلا نفاق أو تملق عسكرى من الطراز الأول مخلص لوطنه وافى لعهده الذى أقسم عليه تجاه عسكريته التى هى شرفه فاهم واعى لأسباب النصر بالكفاءة التى لا يدخر فيها جهداً و رفع قدراتها بعد أن جمدت بعض الشئ فى التعامل مع المدن و المدنيين و يدق ناقوس الأنتباه للسياسيين فى مصر أننى و أنتم معى مسئولون عن سلامة و وحدة أراضى مصر و قد عرفنا فى 1973 أبجديات أنتزاع الحقوق و أمامنا قضية مركزية تتضخم علينا و لم نحل منها شئ بتقصير منا فى الأفعال و ضجيج و صخب فى الأقوال فهل حان زمن الفعل ؟

الاثنين، 13 مايو 2013

فساد

فساد

أن الفساد لم يتغير رسمه فى مفاصل الدولة حتى الأن و إذا كان أحد قدوة القضاة و مشايخهم سيادة النائب العام السابق قبل الهدية فهذا يدعونى لأن أقول ما خفى كان أعظم ؛ و أقول أيضاً إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فإن شيمة أهل البيت كلهم الرقص و بدون شك كل من أتخذه قدوة و سار على دربه أقترف عمله بلا غضاضة أو لوم نفس ؛ و المجال اليوم ليس مجال أن نسأل كم قاضى فى محل شبهة و كم قاضى أرتكب جرم فى حق نزاهة عمله كقاضى بل المجال هو أستبدال كل موطن فى البلاد أستشرى فيه الفساد بمواطن طاهرة نزيهة عفيفة و منها بالقطع القضاء و هذا لن يتم بين عشية و ضحها لأنه لا يعقل تعليق مؤسسة من مؤسسات الدولة و تعلق يافطة عليها مغلقة للتحسينات و الأصلاح بل أن ذلك يتم بصورة تدريجية ممنهجة حتى نصل إلى صفة أقرب إلى الكمال لأن الكمال لله وحده .

الأحد، 12 مايو 2013

نحن بعيدين

نحن بعيدين

إذا كنا بعيدين على مركز رؤية صنع القرار فكيف لنا أن نتصور القرار المفروض أتخاذه ؟
و مصر الرسمية و الشعبية كانت لها صورة واضحة جلية بالرغم من أن السلطة كانت وليدة و ليست فتية فى حصار غزة و الأعتداء عليها فى الفترة الأخيرة مما يشير بقوة ضمنياً إلى مواقف مصر الرسمية و الشعبية من القضية الفلسطينية و روافدها بما فيها القدس الشريف فما الصمت أحياناً إلا أستجماع قوة أو تحيز إلى فئة و أنتظار فرج لمكان و زمان يكون فيه السجال مثمر .
فلما نشق على أنفسنا و على أولى الأمر و ندعى و نقول صمت مرذول ؟

السبت، 11 مايو 2013

فليذهب حيث يشاء

فليذهب حيث يشاء

لقد كان للأزهر و مشيخته الأثر البالغ العميق فى الحياة السياسية و الأجتماعية المصرية منذ تولى محمد على باشا و حتى تجمع شباب الثورة فى ميادين التحرير فى يوم 25 يناير 2011 و ذلك لأعتبارات أرتباط دينى عقائد بين علماء متمكنين من الدين و شعب متدين يهفوا إلى هويته و عقيدته و يرى فى الأزهر و رجاله و مشيخته القيادة و القدوة .
و لكن ثورة يناير أفرزت تيار سياسى دينى و جد الشعب فيه ما أفتقده فى الأزهر الذى لم يؤيد الثورة منذ بدايتها و هنا أنحسار فعلى فى دور الأزهر الذى كان
؛ و علاوة على ذلك تيار الأسلام الوسطى المعتدل و التيار الأسلامى السلفى فى المجتمع أكثر غالبية و تمكن من العملية السياسية من مشيخة الأزهر التى يغلب عليها الطابع الصوفى .
و ما بقى للأزهر من قيمة و دور علمى يحتاج إلى أعادة تقييم و تطوير حتى يعود كما كان و أثرة السياسى الذى يعتقده بعض أهل الخليج أو المعارضين تراجع تراجعاً كبيراً ببروز الأسلام السياسى فى مصر و ممارسته العمل الفعلى على أرض الواقع .
و هنا نقول لشيخ الأزهر أن صدقت نواياك أو كان بها شئ لا نرضاه أذهب حيث تشاء لأن مؤسستك أصبحت ضعيفة الأثر لتراجعها العلمى و السياسى و لكن إذا قويت شوكتك العلمية و تواكبت رؤيتك السياسية مع ما يريده شعب بر مصر المحروسة فهنا سنقول لك أحرص على مكانتك و مكانة المؤسسة التى أنت على رأسها .

الجمعة، 10 مايو 2013

قصائد لأبى فراس الحمدانى

  قصائد لأبى فراس الحمدانى نقلاً عن مجالس الأقلاع

 

أَسَيْفُ الهُدَى ، وَقَرِيعَ العَرَبْ

أبو فراس الحمداني

   
  القصيدة



أَسَيْفُ الهُدَى ، وَقَرِيعَ العَرَبْ
                   علامَ الجفاءُ ‍ وفيمَ الغضبْ‍‍‍؟
وَمَا بَالُ كُتْبِكَ قد أصْبَحَتْ
                   تنكبني معَ هذي النكبْ
وَأنْتَ الكَرِيمُ، وَأنْتَ الحَلِيمُ،
                   وأنْتَ العَطُوفُ، وأنْتَ الحَدِبْ
و مازلتَ تسبقني بالجميلِ
                   و تنزلني بالجنابِ الخصبْ
وَتَدْفَعُ عَن حَوْزَتيّ الخُطُوبَ،
                   وَتَكْشِفُ عَنْ نَاظِرَيّ الكُرَبْ
و إنكَ للجبلُ المشمخـ
                   ـرّ لي بَلْ لِقَوْمِكَ بَل للعَرَبْ
عُلى ً تَسْتَفَادُ، وَمَالٌ يُفَادُ
                   ، وَعِزٌّ يُشَادُ، وَنُعْمَى تُرَبْ
و ما غضَّ منيَ هذا الإسارُ
                   و لكنْ خلصتُ خلوصَ الذهبْ
فَفِيمَ يُقَرّعُني بالخُمُو
                   لِ مَوْلى ً به نِلتُ أعلى الرّتَبْ؟
وَكانَ عَتِيداً لَدَيّ الجَوَابُ،
                   وَلَكِنْ لِهَيْبَتِهِ لَمْ أُجِبْ
فَأشْكَرُ ما كنتُ في ضَجْرَتي،
                   و أني عتبتكَ فيمنْ عتبْ ‍!
فَألاّ رَجَعْتَ فَأعْتَبْتَني،
                   وَصَيّرْتَ لي وَلِقَوْلي الغَلَبْ!
فلا تنسبنَّ إليَّ الخمولَ
                   أقمتُ عليكَ فلمْ أغتربْ
وأصْبَحْتُ مِنكَ فإنْ كان فضْلٌ
                   وَبَيْني وَبَيْنَكَ فوق النّسَبْ!
و ما شككتنيَ فيكَ الخطوبُ
                   و لا غيَّـرتني فيكَ النُّـوبْ
و أسكنُ ما كنتُ في ضجرتي
                   وَأحْلَمُ مَا كُنْتُ عِنْدَ الغَضَبْ
وَإنّ خُرَاسَانَ إنْ أنْكَرَتْ
                   علُايَ فقدْ عرفتها " حلبْ "
وَمِنْ أينَ يُنْكِرُني الأبْعَدُونَ
                   أمنْ نقصِ جدٍ أمنْ نقصِ أبْ؟!
ألَسْتُ وَإيّاكَ مِنْ أُسّرَة ٍ،
                   و بيني وبينكَ قربُ النسبْ!
وَدادٌ تَنَاسَبُ فِيهِ الكِرَامُ
                   ، و تربية ٍ ومحلٍ أشبْ!
و نفسٍ تكبرُ إلا عليكَ
                   وَتَرْغَبُ إلاّكَ عَمّنْ رَغِبْ!
فَلا تَعْدِلَنّ، فِدَاكَ ابنُ عَمّـ
                   ــكَ لا بلْ غلامكَ - عمَّـا يجبْ
و أنصفْ فتاكَ فإنصافهُ
                   منَ الفضلِ والشرفِ المكتسبْ
وَكُنْتَ الحَبِيبَ وَكُنْتَ القَرِيبَ
                   لياليَ أدعوكَ منْ عنْ كثبْ
فلمَّـا بعدتُ بدتْ جفوة
                   ٌ و لاحَ منْ الأمرِ ما لا أحبْ
فلوْ لمْ أكنْ بكَ ذا خبرة
                   ٍ لقلتُ : صديقكَ منْ لمْ يغبْ

 

 

 

أما يردعُ الموتُ أهلَ النهى

أبو فراس الحمداني

   
  القصيدة



أما يردعُ الموتُ أهلَ النهى
                   وَيَمْنَعُ عَنْ غَيّهِ مَنْ غَوَى !
أمَا عَالِمٌ، عَارِفٌ بالزّمانِ
                   يروحُ ويغدو قصيرَ الخطا
فَيَا لاهِياً، آمِناً، وَالحِمَامُ
                   إليهِ سريعٌ ، قريبُ المدى
يُسَرّ بِشَيْءٍ كَأَنْ قَدْ مَضَى ،
                   و يأمنُ شيئاً كأنْ قد أتى
إذا مَا مَرَرْتَ بِأهْلِ القُبُورِ
                   تيقنتَ أنكَ منهمْ غدا
و أنَّ العزيزَ ، بها ، والذليلَ
                   سَوَاءٌ إذا أُسْلِمَا لِلْبِلَى
غَرِيبَيْنِ، مَا لَهُمَا مُؤنِسٌ،
                   وَحِيدَيْنِ، تَحْتَ طِبَاقِ الثّرَى
فلا أملٌ غيرُ عفوِ الإلهِ
                   وَلا عَمَلٌ غَيْرُ مَا قَدْ مَضَى
فَإنْ كَانَ خَيْراً فَخَيْراً تَنَالُ؛
                   و إنْ كانَ شراً فشراً يرى

الخميس، 9 مايو 2013

مقاومة الغزو القانوني الغربي

مقاومة الغزو القانوني الغربي

كان القرن التاسع عشر والعقود الأولي من القرن العشرين حقبة صعود المد الاستعماري في عالم الشرق والإسلام‏. .. كما مثل حقبة التراجع لدولة الخلافة العثمانية... ومن ثم صلاحية التربة الشرقية وقابليتها لزرع بذور الاستشراق والتغريب.. ولقد تكونت ـ في هذه الحقبة ـ نخبة رأت الإسلام في الصورة العثمانية فأدارت له ظهرها, ويممت وجهها قبل النموذج الحضاري الغربي, الذي كان في أوج قوته وازدهاره.. كانت ليبراليته جذابة, لم تظهر عيوبها بعد.. وكانت شيوعيته تدغدغ أحلام الفقراء والبؤساء.. وكان الدكتور طه حسين6031 ـ3931 هـ9881 ـ3791 م واحدا من النخبة التي انبهرت بالنموذج الحضاري الغربي ـ في الفترة الأولي من حياته الفكرية ـ فابتلع طعم الاستشراق, في مناهج البحث, وفي نزع القداسة عن المقدسات, وفي الدعوة إلي أن نأخذ النموذج الحضاري الغربي بحلوه ومره, بخيره وشره, بما يحمد منه وما يعاب... وفي خضم هذا الانبهار بالغرب, تبني الدكتور طه حسين دعوي التماهي والمماثلة بين العقل الشرقي والعقل اليوناني, والقول إن أسلافنا قد قبلوا حضارة الإغريق الرومان, ومن ثم فعلينا أن نتقبل الحضارة الأوروبية الحديثة ـ وضمنها علمنة القانون ـ.. وفي هذا المقام قال الدكتور طه: إن الحضارة العربية والحضارة الفرنسية تقومان علي أصل واحد, هو في نهاية الأمر الحضارة اليونانية اللاتينية... وأن العقل الشرقي هو كالعقل الأوروبي مرده, في التكوين والمقومات, إلي عناصر ثلاثة: حضارة اليونان, وما فيها من أدب وفلسفة وفن, وحضارة الرومان, وما فيها من سياسة وفقه. والمسيحية, وما فيها من دعوة إلي الخير وحث علي الإحسان, وأن الإسلام قد تقبل الحضارة اليونانية, فلم لا يتقبل الحضارة الأوروبية؟.
وانطلاقا من هذه الدعوي دعوي نفي الاختلاف بين حضارة الشرق وحضارة الغرب, ومن ثم نفي الاختلاف بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني, ورومانية الفقه الإسلامي, والتماثل والتماهي بين العقل الشرقي والعقل الأوروبي, وإنكار تميز الإسلام, ومن ثم ضرورة قبول القانون الوضعي الغربي ـ ضمن قبول النموذج الحضاري الغربي ـ أي إلغاء التمايز الحضاري, والاستقلال القانوني.. انطلاقا من هذه الدعوي العريضة والخطيرة, اعتبر أنصار هذه الدعوي أن دعواهم هذه قد تجاوزت كونها خيارا مطروحا أمام العقل المسلم, إلي حيث أصبحت التزاما لافكاك منه تجاه الأوروبيين, وبعبارة الدكتور طه حسين: لقد التزمنا أمام أوروبا أن نذهب مذهبها في الحكم, ونسير سيرتها في الإدارة ونسلك طريقها في التشريع!
هكذا فتح أصحاب هذه الدعوي ـ العريضة الخطيرة الأبواب أمام القانون الوضعي الأوروبي ليحل محل الشريعة الإسلامية وفقه المعاملات الإسلامية... أي الوقوف بالإسلام عند العقيدة دون الشريعة... وأمام إلحاق الحضارة الإسلامية بالمركزية الحضارية الغربية.
> ولقد كان طبيعيا أن تستفز هذه الدعاوي ـ بصورها المختلفة ـ روح المقاومة الوطنية والقومية والإسلامية, عند الذين يؤمنون بتمايز الحضارات الإنسانية, وبالاختلاف الجذري بين الشريعة الإسلامية ـ ذات المصدر الإلهي ـ وبين القانون الوضعي الغربي.. وكان طبيعيا ـ كذلك ـ أن تبدأ هذه المقاومة منذ بدايات هذا الغزو القانوني الغربي لديار الإسلام.
فعندما بدأ تسلل القانون الوضعي الأوروبي إلي مصر ـ في خمسينيات القرن التاسع عشر ـ وبدأ الاحتكام إليه بالمجالس التجارية ـ في المواني ـ بالمنازعات بين التجار الأجانب والمصريين ـ تصدي رفاعة الطهطاوي6121 ـ0921 هـ1081 ـ3781 م لهذا التسلل, الذي يسعي لاغتصاب السيادة التشريعية والقانونية للشريعة الإسلامية وفقه معاملاتها.. وتحدث عن أن المعاملات الفقهية لو انتظمت وجري عليها العمل لما أخلت بالحقوق.. ومن أمعن النظر في كتب الفقه الإسلامية ظهر له أنها لا تخلو من تنظيم الوسائل النافعة من المنافع العمومية, حيث بوبوا للمعاملات الشرعية أبوابا مستوعبة للأحكام التجارية. كالشركة, والمضاربة, والقرض, والمخابرة, والعارية, والصلح, وغير ذلك.. إن بحر الشريعة الغراء, علي تفرع مشارعه, لم يغادر من أمهات المسائل صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأحياها بالسقي والري. وفوق ذلك أعلن الطهطاوي تميز الشريعة الإسلامية ـ بمصدرها الإلهي ـ وارتباط فقه معاملاتها بمعايير الشرع المنزل وفلسفته في التشريع, وذلك علي عكس القانون الوضعي, الصادر عن العقل المجرد من الشرع, والذي يتغيا المصلحة بمعناها النفعي, وليس المصلحة الشرعية المعتبرة.. فشتان بين القانون النابع من النواميس الطبيعية والعقل المجرد من الشرع, وبين الفقه الإسلامي النابع من الشرع العقلاني والعقلانية المؤمنة, والذي يتغيا تحقيق صلاح الإنسان وسعادته في المعاش والمعاد جميعا.. وفي التمايز الفلسفي بين الحضارتين ـ الغربية والإسلامية ـ وبين القانونين ـ الإسلامي والأوروبي.
وعندما فرض الاستعمار الانجليزي ـ تحت حراب الغزو المسلح ـ القانون الوضعي علي مصر سنة3881 م, اتخذت المقاومة طرقا متعددة.. فالفقيه القانوني محمد قدري باشا7321 ـ6031 هـ1281 ـ8881 م ـ وهو تلميذ الطهطاوي ـ قام بتقنين أربعة كتب في الفقه الحنفي, ليقدم البديل الإسلامي العصري مقننا تقنينا حديثا, ليبطل حجة أنصار الغزو القانوني, الذين يرجحون كفة القانون الأجنبي المصاغ صياغة قانونية حديثة علي كتب الفقه الإسلامي التي يتم تقنينها...
> ويحذر جمال الدين الأفغاني4521 ـ4131 هـ8381 ـ8981 م من تقليد النموذج الغربي سبيلا للتقدم, مؤكدا أن بعث الأصول الإسلامية هو طريق النهوض, ضاربا المثل بالتحديث العثماني الذي سلك طريق أوروبا, والذي زاد من التبعية للغرب, دون أن يحدث تقدما حقيقيا... وفي ذلك يقول لقد علمتنا التجارب أن المقلدين من كل أمة, المنتحلين أطوار غيرها, يكونون فيها منافذ لتطرق الأعداء إليها.. وطلائع لجيوش الغالبين وأرباب الغارات, يمهدون لهم السبيل, ويفتحون الأبواب, ثم يثبتون أقدامهم.. إن المقلدين لتمدن الأمم الأخري ليسوا أرباب تلك العلوم التي ينقلونها, وإنما هم حملة ونقلة!... لا يراعون فيها النسبة بينها وبين مشارب الأمة وطباعها...
إن الدين هو قوام الأمم, وبه فلاحها, وفيه سعادتها, وعليه مدارها, وهو السبب المفرد لسعادة الإنسان... ومن طلب إصلاح الأمة بوسيلة أخري فقد ركب بها شططا. وجعل النهاية بداية, وانعكست التربية, وانعكس فيها نظام الوجود, فينعكس عليه القصد, ولا يزيد الأمة إلا نحسا, ولا يكسبها إلا تعسا..
> وعلي هذا الدرب ـ درب الإصلاح بالإسلام, لا بالنموذج الغربي الوضعي اللا ديني ـ سار الإمام محمد عبده(6621 ـ3231 هـ9481 ـ5091 م)... فبعد أن انتقد لا دينية المدينة الأوروبية ـ مدنية الملك والسلطان( القوة) مدنية الذهب والفضة, مدنية الفخفخة والبهرج مدينة الختل والنفاق.. التي عجز فلاسفتها وعلماؤها عن اكتشاف طبيعة الإنسان, وجلاء الصدأ الذي غشي الفطرة الإنسانية, ليعود لها لمعانها الروحي..
بعد هذا النقد لمادية المدنية الغربية ولا دينيتها... انتقد المقلدين لها, والمأخوذين ـ في مصر ـ بها أولئك الذين لم يزدادوا إلا فسادا ـ وإن قيل إن لهم شيئا من المعلومات ـ فما لم تكن معارفهم وآدابهم مبنية علي أصول دينهم, فلا أثر لها في نفوسهم..
ثم رفع الإمام محمد عبده شعار: الإسلام هو سبيل الإصلاح... فقال: إن سبيل الدين لمريد الإصلاح في المسلمين سبيل لا مندوحة عنها, فإن إتيانهم من طرق الأدب والحكمة العارية عن صبغة الدين, يحوجه إلي إنشاء بناء جديد ليس عنده من مواده شيء, ولا يسهل عليه أن يجد من عماله أحدا.. لقد ظهر الإسلام, لا روحيا مجردا, ولا جسدانيا جامدا, بل إنسانيا وسطا بين ذلك, آخذا من كلا القبيلين بنصيب, فتوافر له من ملاءمه الفطرة البشرية ما لم يتوافر لغيره, ولذلك سمي نفسه دين الفطرة, وعرف له ذلك خصومه اليوم, وعدوه المدرسة الأولي التي يرقي فيها البرابرة علي سلم المدنية.. لقد جاء الإسلام, كما لا للشخص, وألفة في البيت ونظاما للملك, امتازت به الأمم التي دخلت فيه عن سواها ممن لم يدخل فيه.
هكذا تصدي علماء الإسلام, وطلائع المجددين, أعلام تيار الإحياء والتجديد لمقاومة هذا الغزو الفكري والتغريب الحضاري الذي أراد علمنة الإسلام, وإحلال القانون الوضعي الغربي محل شريعة الإسلام.